الفقه في تحديات القانون

صياغة الدستور العراقي الجديد نموذجاً

 

شبلي ملاط

 

محاضرة ألقيت في الجامعة الأميركية في بيروت ، 16 آذار 2005

 

بعضُ التحدي الخاص الذي شكلته هذه الدعوة من الصديق العلاّمة البروفسور ماهر جرار حثُّه لنا إنهاء كتاب طال العمل به الى حد السأم ، وهو كتاب بدأناه منذ عقد ونصف بتشجيع من أستاذنا الراحل ألبرت حوراني ليشكل ”مدخلاً الى القانون في الشرق الأوسط“.

هذا ”المدخل“ ، وقد أشرف والحمد لله على الإنتهاء ، يوفّر مناسبة للتساؤل عن ”الفقه في تحديات القانون“ على ضوء بعض النصوص التي بُني عليها في التراث الفقهي العميق في هذه المنطقة ، من قوانين أشنونا في الألف الثاني قبل الميلاد الى الإجتهادات الدستورية المعاصرة في سائر المنطقة ، بما فيها التجربة الخاصة في إيران ، كما في تركيا واسرائيل .[1] 

فلنبدأ إذاً بالنتائج التي توصلنا اليها في هذا المدخل ، وهو يتألف من ستة فصول وخاتمة تندرج جزئياً كما يلي : في الفصل الأول ، الذي يتناول العمق الفريد للتراث القانوني في منطقتنا ، استنتاجان محوريان ، أولهما  تاريخي ، يشير الى تواصل في الثقافات القانونية عبر محطات مثيرة في غناها ، من قانون حمورابي في القرن الثامن عشر قبل المسيح وحتى المجلة العثمانية ، مروراً بما يعرف بالقانون السوري-الروماني ، وأمهات الكتب الفقهية عند علماء صدر الإسلام . الإستنتاج الثاني هو ضرورة معالجة الشق الإسلامي من هذا التراث الفقهي بتجلياته المتعددة ، والتي لا يجوز اختصارها بالنص القرآني والحديث ، أو الإغلاق عليها بحجة انسداد باب الخلاف – أو الإجتهاد – الفكري والقانوني ، وقد زال هذا المفهوم عند أهل العلم شرقاً وغرباً. وفي هذه الحقبة التي تتمثل بآلاف النصوص القانونية في سياق لا مثيل له لدى أية حضارة إنسانية أخرى ، يكتشف الباحث مساهمات فذّة توحي بعضها سبقاً ، إن لم نقل تفوقاً ، في الرؤيا كما في التطبيق على ما نراه في عصرنا الحالي ، ولنا في هذا المضمار التفاتة خاصة لما وَصَلنا في التراث من أدب القاضي ، حبذا لو اهتم به قضاتنا المعاصرون .

فصل آخر في ”المدخل“ مفيد لحديثنا عن الفقه في تحديات القانون هو الذي يتناول القانون المدني كما هي معروفة المعاملات اليومية التي يتعرض لها في كل لحظة أعضاء المجتمع ، من بيع وشراء وإجارة وضرر ينجم عن حادث سير ... ، وهي التي باتت خاضعة في جميع بلدان المنطقة لظاهرة التقنين ، والأصل فيها المجلة العثمانية بما هي بنيت على خليط من القواعد الفقهية المستقاة مما يعرف في التراث الفقهي الإسلامي المتأخر بالأشباه والنظائر ، لصاحبها ابن نجيم ، أو قواعد ابن رجب الحنبلي، من جهة ، كما المعالم الموجودة في المجامع الشهيرة أمثال المبسوط لشمس الدين السرخسي وبدائع الكساني ، وغرض إحياء التراث الفقهي في تحدي القانون المدني عظيم وممكن في الحين نفسه ، أسوةً بنظير المجلة العثمانية في أوائل القرن التاسع عشر .

ولأن هذا المجهود التقنيني العظيم قابله في القرن العشرين جهد أيضاً عظيم كان على رأسه الفقيه المصري عبد الرزاق السنهوري ، كان سؤال التحدي القانوني مرتكزاً على مقابلة بين المجلة وأخواتها من القوانين المدنية التي أشادها السنهوري وأتباعه .

ونتيجة لهذا البحث في عالم المعاملات اتضحت أهمية التواصل في المبادىء والعبارات على أساس التراث الفقهي العريق ، لا سيما في اختيار العبارة المتصلة بتراثنا المغيّب بدل المبادرة الى ترجمة المحصلات القانونية الغربية ، بما تتشابه القواعد التي تنظم المعاملات الإنسانية اليومية بغضّ النظر عن البيئة التي تقوم فيها، في حين تفرض اللغة ، والتاريخ الذي تحمله كل لغة ، خصوصية لا بد لصاحب التشريع كما للقاضي المؤتمن على تطبيقه أن يلتفت اليها ليحفظ تواصله بمن خوّله التقنين بدايةً ، وليحمي ، وبشكل أهم ، التواصل في نصوص المعاملات ومصطلحاتها ما بين المتعاقدين ، أو في حديث الفقه الشيعي ، بين المكلفين بما هم ’أصحاب الحق‘ الأولون .

بعض حديثنا إذاً مرتكز على النتائج التي يمكن استشفافها من تجربة المجلة والقوانين السنهورية المدنية المعاصرة في ما تحثنا على تجسير الهوة بين المكلف صاحب الحق ونصوص لا تقلّ أهمية من المعاملات الفقهية اليومية ، وهي الحقوق الدستورية .

ولئلا يُخال لحظة أن هذا الحديث محصور في أهل الإختصاص القانوني وعلومه ، رأينا الإستفادة من هذه المناسبة لوضع التحدي في إطار يقلّ مثيله في عالمنا العربي – أو الشرق أوسطي – المعاصر ، وهو العمل على قانون دستوري عراقي يفي بالغرض ، والغرض عندنا تحدٍ عظيم للفكر العربي المعاصر أساسه الإخفاق الدستوري في بلادنا عموماً ، وفي بلاد الرافدين بشكل خاص على امتداد القرن الماضي . والتحدي في العراق معروف ، نبع من استحالة المجتمع العراقي استحداث نص جامع بين أهل العراق وطوائفه على امتداد القرن العشرين . ولا نريد هنا أن نختصر التجربة الدستورية العراقية الى المسخ القانوني الذي فرضه الإستعمار أولاً ، فالدكتاتورية مباشرةً بعد جلائه الصعب ، لأن التحدي القانوني في العراق يرتبط بتركيبة اجتماعية خاصة به ، وإن كانت ميزاته تشبه الى حد كبير التكوينات الإجتماعية الأخرى في سائر الشرق ، بل في دول عديدة في العالم المعاصر ، أعني بها التعددية في الإنتماء الجماعي ، وأحوالها في العراق ثلاثية المجموعات الكبرى وانقسامه المزدوج ، طائفياً أولاً ما بين سنة العراق وشيعته ، وقومياً ثانياً ، ما بين عربه وأكراده ، وهو انقسام تضاف اليه الأقليات الأخرى بدرجات ووتائر مختلفة .

المشكلة في العراق ليست مقتصرة على موضوعنا ، الفقه في تحديات القانون ، لأن العالم كلّه وليس فقط العراق بات عبارة مميزة للتركيبة الإجتماعية الدستورية في الشرق الأوسط : كيف يبتكر العلم الدستوري نصاً دستورياً بجميع الطوائف والإثنيات على هذا النمط من التعقيد ؟

لا بدّ إذاً من التطرق الى هذه المعضلة ، وهي معضلة موضوعية قائمة لا أعرف في تجربتي الدستورية المقارنة جواباً شافياً لها . لكن هذا ليس موضوعنا المباشر ، وعندي أن نرى معاً – هنا وفي العراق وفي العالم المشدود الى مستقبل عراقيّ بات التحدي الدولي الأكبر - ما انتهينا اليه في الشرخ الذي أحدثه الإستعمار في القانون المدني في المنطقة ما بين العبارة القانونية المتداولة في النص ، والتراث الفقهي الذي تجاهلته باتصال . يتناول السؤال الذي نود أن نتطرق له في ما تبقى من حوارنا اليوم .

ذاك الشق الأساسي من النص الدستوري ، والنص الدستوري نفسه عنوان القانون الأساسي في كل دولة لما فيه من ارتباط بالحقوق الأولى التي تنظِّم علاقة الدولة برعاياها ، والحاكم بالمكلفين ، والسلطة بمواطنيها ، وهذه كلها مفاهيم واحدة في معناها مختلفة في تعبيرها .

هنا بيت القصيد : فكما أن المجلة العثمانية ومثيلاتها في سائر الأقطار – العربية والإيرانية – نجحت أكثر من نصوص السنهوري في التعبير عن الحق بارتباطها الأوثق بالتراث الفقهي العميق ، كذلك نرى أساسياً في عمل العراقيين على دستورهم الجديد الإعتناء الخاص بالتعبير، لأن أصلَ الحق نفسُه عند الإنسان ، لا أظنه مختلَفاً عليه في عالم عنوانه مساواة الإنسان للإنسان على اختلاف الأوطان والملل واللغات .

وللتوضيح قد ترون مفيداً أن نلتمس طريقاً تطبيقياً يفي بغرض بحثنا نبدأه بما هو رائج في ما شهدته العقود الثلاثة الماضية من لغطٍ متصل محوره ’الإسلام والديمقراطية‘ ، وما حوى غالباً عنوانه من النقاش حول ”الشريعة وحقوق الإنسان“ . عشرات بل مئات من الدراسات انصبت على هذا الموضوع ، منها من اتخذ طريقه الى التقنين أو شبهُه، بما فيه تلك الإعلانات الإسلامية عن حقوق الإنسان التي شهدت أوروبا مسرحاً لها في الثمانينات ، كما رأينا بعضها شقّ طريقه الى الدستور ، لا سيما في الجمهورية الإسلامية في إيران في مطلع الثمانينات ، وفي الدستور الأفغاني المستحدث السنة الماضية ، بل على نسق مختلف إنما قريب، ما رأيناه من إعادة صياغة للمدخل الى الدستور اللبناني في الجمهورية الثانية المؤرخة بدايتها بالتعديلات الطارئة عليه سنة 1990 .

وعندنا أن هذه التجارب أخفقت عموماً نموذجاً إسلامياً – عربياً – وعالمياً لما بات للشرق الأوسط أو العالم العربي أو العالم الإسلامي من محورية في البحث عن السلام الكوني ، لأنها بقيت دون مستوى العبارة التي نجح القانونيون العثمانيون صياغتها في ديباجة المجلة منذ قرن ونصف بالنسبة للمعاملات المدنية . النقص في العبارة هو المشكلة ، ولن نتردد في تسطير هذا النقص أيضاً في التجربة الإيرانية ، لأن تبيان الحقوق الأساسية في مقدمتها مرتبط بقالب قانوني بقي التراث الفقهي فيه ضعيفاً .

هذا النقاش طبعاً عرضةٌ لأخذ وردّ مسهبين ولا أظن الزملاء في الجمهورية الإسلامية بإيران يرتاحون لهذا التوصيف الجاف والقاسي تجاه نصهم الأساسي . لكننا لن نخوض غمار هذا النقاش الآن ، وحسبنا الإشارة الى عدم ارتفاع فصل الحقوق الأساسية في إيران الى نموذج يستفاد منه في سائر بلادنا ، خلافاً لما قدمته المجلة الى الشرق الأوسط ، شرقاً وغرباً ،  بما فيه المجلة التونسية لسنة 1906 والقانون المدني الإيراني في الثلاثينات ، وبغض النظر عن حضانة سياسية نعرف كم كانت السلطنة العثمانية واهنة في أدائها آنذاك . وخلاصة الشَّبه ، -- وهو تشبيه سلبي طبعاً وما أصعب القياس سلبياً ، -- أن العبارة المتقنة فقهياً في المجلة العثمانية هي التي فرضتها على ذاك النحو من التواتر العظيم على امتداد قرن أو أكثر في أرجاء الشرق الأوسط ، بما فيها دول المشرق وايران والعراق والسعودية والمغرب العربي ...

مثل هذا السبك في العبارة هو ما نحتاج اليه في الدستور العراقي العتيد ، والنقص الأساسي في النص الحاضر ماثل بالتحديد هنا ، أي في العبارة . مهمٌ النص الدستوري القائم في عراق اليوم، وهو ما يعرف بقانون إدارة الدولة للمرحلة الإنتقالية (الصادر في 8 شباط 2004) ، ولن نناقض ردّنا الأول عند صدوره بتسطير ما فيه من حسنات ، وأهمها في رأينا تلك المادة المعلنة في صدارة ديباجته أن ”الشعب العراقي الساعي الى استرداد حريته ... ، هذا الشعب الرافض للعنف والإكراه بكل أشكالهما ، وبوجه خاص عند استخدامهما كأسلوب من أساليب الحكم ، قد صمم أن يظلّ شعباً حراً يسوسه حكم القانون“ .

والعراقيون اليوم بصدد إقرار دستور ثابت ، ولا نرى أكبر تحدٍ قانوني للفقه بما هو تراث عظيم في حضارتنا الشرق أوسطية مما يتم تداوله في عراق كان من أهله عظام أرباب الفقه والقانون من حمورابي الى محمد باقر الصدر مروراً بأبي حنيفة والمحمدين .

أما ولئن كانت الأصول العملية جزءاً لا يتجزأ من عملية الإستنباط ، فلا بأس الخوض في بعض التفاصيل التي من دونها لا مجال لرفع التحدي الذي رسمناه . هذه التفاصيل بطبيعتها انتقائية لأنها ترتبط بعمل لا معنى له في موضوع بهذه الأهمية سوى بشكل جماعي ، قوامه أهل العراق قبل الآخرين ، لما ثبت من أن الغرم بالغنم ، وأن الأولى بالحق هم أصحابه قبل أصحابهم .

الى التطبيق إذاً . إذا كان هدفنا وضع لائحة بالحقوق الأساسية في الدستور ، فلا بدّ من أن يكون مضمون مثل هذه القائمة في خطوطه العريضة غربياً : هي الدساتير في الغرب استحدثت مثل هذه القوائم ، وشيخاها لائحة التعديلات اللاحقة بالدستور الأميركي لسنة 1787 والمعروفة بالـBill of Rights ، وإعلان حقوق الإنسان لسنة 1789 في فرنسا . هذا المضمون لم يتعدل كثيراً ، وليست الملاحق الدولية المختلفة ، وأهمها الشرعة العالمية لحقوق الإنسان لسنة 1948 وميثاقا 1966 حول الحقوق المدنية فالحقوق الإجتماعية . هذه الملاحق ليست مهمة سوى لأنها تؤكد الطرح الثابت في جعالة اليوم ، وهو أن صياغة هذه النصوص غابت في مجملها أية التفاتة لتراثنا الفقهي الشرق أوسطي رغم التواتر العالمي حول ثبات عصارتها بما هو مقرّ من دون اختلاف في ضرورة احترام حقوق الإنسان .

الى التطبيق إذاً .

مضمون اللوائح يمكن متابعته في قانون إدارة الدولة في العراق كالتالي :

الحقوق الخاصة – حق الآدمي

الحقوق المتصلة بالملكية

حرمة الأموال العامة (م 16) أ. ب.

الملكية الخاصة مصانة (م 16) ب

لا ضريبة ولا رسم إلا بقانون (م 17)

الحق في التعويض عن أضرار النظام السابق (م58)

الحقوق العامة

الحقوق السياسية

حق الإنتخاب والترشيح (م20)

حق اللجوء السياسي (م 19)

حق التظاهر (م 22)

حماية الحقوق الأخرى (م 23)

الحق في الحماية من التدخلات العسكرية والإستثمارية (م27)

الحق في حماية المجتمع من نفوذ العسكريين السياسي (م28 ب)

الحقوق الدينية

حرية الفكر والضمير (م13)

حرية العقيدة والممارسة الدينية (م7)

الحقوق اللغوية

تساوي اللغتين الرسميتين – العربية والكردية (م9)

حرية استعمال لغة أخرى (م9)

الحقوق المدنية (م13)

مساواة : العراقيون كافة متساوون في حقوقهم سواء أمام القانون سواسية أمام القضاء (م12)

حرية التعبير

حرية الإجتماع

حرية الإنتماء لجمعيات والنقابات والأحزاب

حرية التنقل والسفر

حق التظاهر وعمل الأحزاب سلمياً

حق بالخصوصية

جنسية : حماية الجنسية العراقية والحق في تعدد الجنسيات (م11)

الحقوق الاجتماعية

في حق الأمن والتعليم والعناية والضمان الإجتماعي (م14)

الحقوق جزائية (م15 أ)

 حق في لا رجعية القوانين

لا رجعية ولا عقوبة إلا بقانون

حرمة المسكن (م15 ب)

الحق بمحاكمة عادلة (م15 د ، و ، هـ ، ح )

المتهم بريء (م15 هـ)

الحماية من التعذيب (م15 ي)

الحق في الإدعاء أمام المحكمة الإتحادية (م44 ب)

الحق في هيئة وطنية لحقوق الإنسان (م50)

 

السلوك العام / فصل السلطات

منع الجمع بين الجمعية الوطنية والسلطة التنفيذية (م28 أ)

الحق في التمثيل النسائي (ربع الجمعية الوطنية) (م30 ج)

الحق للأقليات في التمثيل (م30 د)

الحق في الإطلاع على عمل المجلس (م33 أ)

حق استجواب المسؤولين التنفيذيين (م33ز)

الحقوق الإتحادية (م54 -55)

 

هذا من ناحية التبويب ، والترتيب أعلاه تمّ بحسب المواد المتعلقة بحماية حقوق الإنسان العراقي في ما هي مدرجة في قانون الإدارة المرحلي مع ارتكاز جديد لبعض الأبواب على تقسيم الأحكام كما جاء في مقدمة الفتاوى الواضحة للسيد محمد باقر الصدر (ص. 46 و47) . فالعمل المبدع – أي الإجتهاد في بديع الفقه وليس في بِدَعِه - ، يعيد النظر بشكل الدستور وأقسامه ، ونعرف أن محمد باقر الصدر كاتب فريد من نوعه في إثراء الفكر الدستوري المعاصر ، لا سيّما في التجربة الإيرانية إبان الثورة .

إعادة تبويب الحق مهم ، ولكنه ليس أصعب الإجتهاد في مجالنا ، وعندنا أن الروافد الفقهية المختلفة تشكل بحراً من اللآلىء من الضروري أن تلجأ اليها في صياغة القاعدة الدستورية نفسها .

ولا مجال هنا للخوض في تفاصيل ترافق كلّ مادة من مواد دستور عراقي على مستوى التحدي الكوني له ، لكنني أثير فقط بعض المصادر والأمثلة ، في سرد التتالي التاريخي السريع :

فمن القوانين العراقية القديمة هذا المقطع من مقدمة قانون لبت عشتار ، ”راغباً حريتهم كهدية لهم“ ، عندما نودي لبت عشتار ”لإمارة البلاد وتحقيق العدالة فيها ومعاقبة الظالم ورد العداوة والعصيان وجلب الرفاهية للسمريين والأكاديين“ (ص. 58 من نص فوزي رشيد) كما نرى في مقدمة شريعة حمورابي ، ”حمورابي الأمير التقي الذي يخشى آلهته“ ، وضع القانون ”لأوطد العدل في البلاد ، لأقضي على الخبيث والشر ، لكي لا يستعبد القوي الضعيف ، ولكي يعلو العدل كالشمس فوق ذوي الرؤوس السود ، ولكي ينير البلاد من أجل خير البشر “ وختمه قائلاً : ”عندما أرسلني الإله مردوخ لقيادة سكان البلاد في الطريق السوي ولإدارة البلاد ، وضعت القانون ودستور العدالة بلسان البلاد لتحقيق الخير للناس .“ (رشيد ص. 113،117) .

ومن القرآن الكريم الآيات المعروفة عن تداول السلطة ، ورفض الإكراه في الدين ، والتشاور أساساً للحكم ، والتعارف أساساً لتعاطي الشعوب والقبائل ، وفي الحديث حدث ولا حرج فالناس سواسية كأسنان المشط ، ولا فضل للأعجمي على العربي سوى بالخلق الطيّب – التقوى - والعقل ، ومطل الغني ظلم ، وفي كتب أدب القضاء أن الحق لا يتبعّض (ابن أبي دم) وفي الأشباه والنظائر  أن ما حرم فعله حرم طلبه ، أن العادة محكمة ، أنه لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان ، أن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً ، أن الولاية الخاصة أقوى من الولاية العامة ، أن المطلق يجرى على إطلاقه ، أنه لا ينسب الى ساكت القول ، أن لا عبرة بالظن ، أن الخراج بالضمان ، أن الأمر بتصرف ملك الغير باطل ، وأنه لا يجوز لأحد أن يأخذ مال أحد بلا سبب شرعي ، كما أعيدت في المجلة في مبادئها التسعة والتسعين ، الى ما يلحقنا الى اليوم من اجتهادات دستورية ، في مصر مثلاً بقلم رئيس المحكمة الدستورية الراحل عوض المر .

أما ولأننا نحتاج الى الإعتراف به ليس من لائحة في تراثنا يمكن طرحها بديلاً لهذا النص ، توضحت معالم التحدي الصعب الذي نحن بصدده ، وهو التحدي نفسه الذي اصطدم به واضعو المجلة ونجحوا في الإرتقاء بالحل المناسب له ، عبر العمل الجبار ، الحاوي والإنتقائي على السواء ، السّابر أعماق المجامع الفقهية العديدة التي راجعوها ؛ والمنهج المقترح إذاً هو المنهج ذاته ، مع التسليم بأن خصوصية الحقوق الدستورية تملي عملاً لا يتطابق تماماً مع موضوع المعاملات المدنية الذي تناولته المجلة .

يبقى أننا لم ننجز سوى النزر اليسير من الفقه في تحديات القانون بما تتناوله من صدارة الدستور العراقي العتيد ، بمعنى ما يعتد الى عصرنا التصدي له . ولقد ذكرنا في سياق الحديث تحدي التركيبة الإجتماعية في العراق يُعْتد على الأنماط الدستورية المقارنة ، وإن كان عندنا لتوضيحها ذاك السفر الكبير الذي وضعه علي الوردي ، وهو العالم العَلَم الذي طالما نفتقد نوره في هذه المناسبة التاريخية المميزة . ولا بأس من الإشارة الى أن المجموعة العظيمة ليست كافية للتصدي لذاك المثلث الدستوري العصيب ، وقد ذكر علي الوردي ، في تواضعه المأثور، كيف أنه أغفل المساهمة الكردية العظيمة في ”لمحاته“ لعدم خبرته لغة أكراد العراق وتاريخهم .

هذا الموضوع ، الموضوع الطائفي واللغوي العراقي يحتاج الى حديث آخر في ”مآزق الفكر العربي“، إن شاء الله ندلي بدلونا فيه مؤازرة لأهلنا وأحبابنا في العراق في المستقبل غير البعيد.

 


 

1 التحدي الأول وقعه على الأذن سياسي ، يجابهنا في الحديث عن الشرق الأوسط ، وقد دخل هذا المصطلح المعترك القاري منذ الإبتذال الرخيص الذي أدناه الى مستواه حديث عابر لرئيس وزراء اسرائيل سابق . والجواب على هذا التحدي لا أظنه مفيداً في شجب كلمات طال تداولها ، ولا يجوز التوقف عن استعمالها بسبب سوء نية البعض لها أو التفافهم السطحي عليها كما هي الحال في هذه العبارة .