تناقلت وسائل الاعلام في
الآونة الأخيرة نبأ الشكوي التي تقدمت بها السيدة سعاد سرور الي قاضي
التحقيق ببلجيكا ضد أرييل شارون رئيس وزراء إسرائيل متهمة اياه
بالمسئولية الجنائية عن مقتل ستة من أفراد أسرتها ثم اغتصابها قبل
اصابتها بعيار ناري في الظهر أقعدها عن الحركة مدي الحياة, وذلك في
أثناء ارتكاب قوات الفلانجة مذبحة صابرا وشاتيلا ضد اللاجئين
الفلسطينيين في سبتمبر من عام1982. بيد أن التغطية الاعلامية لذلك
النبأ جاءت خلوا من أي تحليل قانوني دقيق للوقائع أو المبادي
القانونية التي تكتنف هذه الشكوي, ومن ثم صار لزاما التوضيح
والتحليل حرصا علي المام القاريء العربي بالحقائق والوقائع القانونية
كاملة.
من حيث الوقائع, فمن المعروف أن القوات الإسرائيلية كانت قد فرضت
حصارا عسكريا شاملا علي مخيمي صابرا وشاتيلا بهدف منع وصول أو مغادرة
المدنيين لهما, ثم أذنت لقوات الفلانجة بدخولهما وارتكاب أبشع
الجرائم ضد المدنيين العزل مما أسفر عن مصرع ما يزيد علي ثمانمائة
شخص أغلبهم من النساء والأطفال والشيوخ وإصابة عدد كبير من المدنيين,
الأمر الذي أثار حفيظة الرأي العام العالمي بشدة ولم تفلح محاولات
إسرائيل ـ كما كان مخططا ـ في التنصل من مسئوليتها المباشرة عما
ارتكبه الفلانجة من مذابح, اذ إن المنطقة بأكملها كانت تحت السيطرة
المباشرة للقوات الإسرائيلية.
وبناء عليه: اضطرت الحكومة الإسرائيلية الي تشكيل لجنة برئاسة
cahan YITZHAK
رئيس المحكمة العليا وعضوية أحد قضاتها وجنرال بالجيش الإسرائيلي
للتحقيق في تلك المذبحة واذ باشرت اللجنة أعمالها, شهد لفيف من
كبار الضباط الإسرائيليين الذين شاركوا في العملية بأن القيادة
العليا لجيش الدفاع الإسرائيلي كانت علي علم بالأحداث الجارية في
المخيمين, وأن الجنرالYaron المسئول عن العملية كان علي اتصال
مستمر بإيلي حبيقة قائد قوات الفلانجة والمسئول عن تنفيذ المذبحة,
بل شهد أحد الضباط برتبة ملازم ويدعيElui بأن الجنرالYaron كان
يتلقي تقارير واتصالات لاسلكية دورية عن الأحداث التي كانت ترتكب
بالمخيمين. بناء علي ماتقدم, انتهت اللجنة الي التوصية بعزل
الجنرالYaron وعدم توليه أية مناصب قيادية لمدة ثلاث سنوات, أما
عن مسئولية شارون, فقد نص التقرير الصادر عن اللجنة علي:
حتي لو أخذ في الاعتبار أن الوزير لم تصله انذارات مباشرة عما قد
يحدث: فانه لمن غير المتصور ألا يدرك وزير الدفاع خطورة ارتكاب مثل
تلك المذبحة في ظل ما كان شائعا ومعلوما للجميع من عدم تحلي قوات
الفلانجة بأية مباديء أو أخلاقيات في الحرب, فضلا عن كراهيتهم
للفلسطينيين... وبالاضافة الي معلوماته الخاصة الناتجة من اتصالاته
بالفلانجة, فقد تلقي وزير الدفاع تقارير خاصة.. الأمر الذي يبين
معه أن الموقف لم يكن ليتطلب قدرة عالية علي التنبؤ للوصول الي
النتيجة الحتمية بأن هناك خطرا شديدا يتمثل في وقوع مذبحة ان لم تحكم
قوات جيش الدفاع الإسرائيلي سيطرتها علي قوات الفلانجة.. ذلك الخطر
كان من المحتم أن يكون معلوما, وفي ضمير كل انسان عاقل يتصل علمه
بالموضوع, وخصوصا وزير الدفاع الذي لعب دورا حيويا في كل ما له صلة
بتلك الحرب.. ان اشتراكه في الحرب كان عميقا, وكان حريصا علي
وجود علاقة مباشرة مع قوات الفلانجة دائما, ولو كان شارون يجهل
امكانية وقوع مثل تلك المذبحة لو دخلت قوات الفلانجة المخيمين دون أن
تشترك القوات الإسرائيلية في العملية, ففي هذه الحالة يكون التفسير
الوحيد لذلك القرار أنه قد تجاهل المخاطر التي كانت متوقعة الحدوث.
هذا عن الوقائع, أما عن التأصيل القانوني للشكوي فيثور تساؤل مبدئي
حول مكان تقديمها, فلماذا بلجيكا؟ وما هي علاقة بلجيكا ـ كدولة
أوروبية ـ ببلاغ امرأة عربية ضد رئيس وزراء إسرائيل عن واقعة حدثت
علي أرض عربية؟ هنا يتعين الرد بأن قوانين بعض الدول تسمح بتطبيق
مبدأ الاختصاص العالمي
دونما ثمة صلة تربط أيهم بالواقعة محل البلاغ, وبغض النظر عن جنسية
المجني عليه أو المتهم, ووجوده علي إقليم أيهم من عدمه. بيد أنه
من الناحية العملية, تنقسم تلك الدول في تطبيق ذلك المبدأ الي
قسمين, فتسمح بعضها بتطبيقه شريطة أن يكون المتهم مقيما أو موجودا
علي اقليمها, بينما تسمح دول أخري بتطبيقه حتي لو لم يكن المتهم
متواجدا علي اقليمها.
ومن هذا المنطلق, طبقت احدي المحاكم البلجيكية مبدأ الاختصاص
العالمي عند محاكمة أربعة متهمين مقيمين ببلجيكا من مواطني رواندا,
اثنان منهم من راهبات احدي دور العبادة, وذلك بشأن اشتراكهم في قتل3500
من المدنيين الأبرياء الذين وفدوا الي ذلك الدير خوفا علي حياتهم واذ
نظرت المحكمة البلجيكية الواقعة, تواترت الأدلة علي ارتكاب
المتهمين للجرم المنسوب اليهم فأصدرت المحكمة أحكاما جنائية بالادانة
ضد المتهمين الأربعة.
بيد أنه في واقعة أخري, تتعلق ببلاغ قدم ضد وزير خارجية الكونغو
علي الرغم من وجوده خارج بلجيكا, بشأن تحريضه علي ارتكاب أعمال
الابادة الجماعية في الكونغو, قدمت الكونغو بلاغا الي محكمة العدل
الدولية دفعت فيه بأن تطبيق بلجيكا لمبدأ الاختصاص العالمي دونما ثمة
صلة بالواقعة يعد انتهاكا للقانون العرفي الدولي ومخالفا لاتفاقية
فيينا بشأن الحصانة الدبلوماسية حيث إن المتهم كان وزيرا للخارجية.
هنا تبرز أهمية الحكم الذي من المتوقع أن يصدر عن محكمة العدل
الدولية في هذا المبدأ القانوني في غضون نوفمبر القادم, فإذا قضت
المحكمة بأن تطبيق مبدأ الاختصاص العالمي لمد الاختصاص الجنائي
الوطني لدولة ما خارج افليمها دونما ثمة صلة تربطها بالواقعة أو
أطرافها يعد مخالفا للقانون العرفي الدولي فسيكون لذلك الحكم أثر
كبير علي البلاغ المقدم في بلجيكا ضد شارون. أما في حالة ما اذا
حكمت بأن لدولة ما تطبيق ذلك المبدأ علي شخص موجود علي إقليها يكون
لقرار الاتهام البلجيكي ضد شارون أثره القانوني اذا ما وجد علي
اقليمها.
هنا, وبالاضافة الي ما تقدم, تجدر الاشارة الي أن ما تفعله
بلجيكا ليس بجديد, وإنما هو تطبيق محض لما أوردته اتفاقيات جنيف
الأربع لعام1949 والبروتوكول الأول لعام1977 من حق أي الدول التي
صدقت عليه ـ ومن بينهم جميع الدول العربية ـ في تطبيق مبدأ الاختصاص
العالمي فيما يتعلق بجرائم الحرب التي يرتكبها الأفراد. علاوة علي
ما تقدم, فمن الجدير بالذكر أن إسرائيل ذاتها طبقت ذلك المبدأ عام1961
حينما حاكمت
Adolf eichmann
ـ ألماني الجنسية ـ بتهمة ارتكاب جرائم ضد الانسانية ابان الحرب
العالمية الثانية, فضلا عن أن العديد من الدول قامت في السنوات
العشر الأخيرة بتطبيق ذات المبدأ, اذ حاكمت استراليا في عام1991
مواطنا روسي الجنسية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في الحرب العالمية
الثانية, وآخر صربي في عام1994 بتهمة ارتكاب جرائم حرب في
يوجوسلافيا السابقة, بينما حاكمت فرنسا في عام1994 أحد المنتمين
الي قبيلة الهوتو برواندا بتهمة ارتكابه جرائم حرب في رواندا,
وحاكمت ألمانيا في عام1995 اثنين من صربيا وثالثا من كواتيا بتهمة
ارتكاب جرائم حرب في يوغوسلافيا السابقة, وأخيرا حاكمت هولندا
مواطنا صربيا بتهمة ارتكاب جرائم حرب في يوجوسلافيا السابقة أيضا,
بيد أن القاسم المشترك بين كل من تلك المحاكمات هو أن المتهم كان
موجودا علي اقليم الدولة التي قامت بمحاكمته.
أما عن البلاغ المقدم الي قاضي التحقيق في بلجيكا, فيشترط أن تكون
هناك أدلة جنائية كافية لكي يبدأ القاضي تحقيقا في مدي المسئولية
الجنائية لشارون علي سند من مبدأ مسؤولية القائد, والذي يجعل من
القائد في الميدان مسؤولا عما يرتكبه تابعده من أفعال تشكل جرائم في
الحالات التالية:(1) اذا كان قد أمر بارتكاب الفعل الجنائي الذي
يشكل الجريمة(2) لم يقم باتخاذ الاجراء اللازم لمنع حدوث أي فعل
يعد مخالفا للقانون الانساني الدولي(3) علم بارتكاب أي من تابعيه
أو مرءوسية مخالفات تعد انتهاكا للقانون الانساني الدولي, ولم يقم
باتخاذ اللازم لوقف تلك الانتهاكات ومعاقبة مرتكبيها درءا لوقوع أية
أفعال مماثلة مستقبليا.
وبالتطبيق علي ما تقدم, ووفقا للمعلومات المتاحة لي, فلا توجد
أدلة دامغة علي أن شارون ـ حال كونه وزيرا لدفاع إسرائيل ـ أمر
بارتكاب المذبحة التي باشرتها قوات الفلانجة بدعم من قوات جيش الدفاع
الإسرائيلي, ومن ثم تنحصر مسئولية شارون في الفرضين الثاني والثالث
آنفي البيان, اذ أنه.. وحسبما ورد بتقرير لجنةCahan آنف البيان
ـ كان يتعين عليه أن يدرك ما سوف يحدث داخل المخيمين عند سماحه
للفلانجة بدخولهما, فضلا عن أنه لم يتخذ الاجراءات اللازمة لمنع
حدوث المذبحة أو إيقافها ومعاقبة القائمين عليها معه لاستمرارها.
وبناء عليه فمن المتوقع أن يجد قاضي التحقيق البلجيكي من الأدلة ما
يكفي لاتهام شارون واعتباره مسئولا جنائيا عما حدث في مخيمي صابرا
وشاتيلا, ومن ثم يصدر أمرا جنائيا بالقبض عليه تقوم منظمة الشرطة
الدولية
بتوزيعه علي الدول الأعضاء في المنظمة.
أما عن اجراءات تسليم شارون الي السلطات البلجيكية في حالة ما اذا
القي القبض عليه في أي دولة, فسيكون القبض لفترة زمنية وجيزة تسمح
للسلطات البلجيكية بأن تتقدم الي تلك الدولة بطلب تسليم من خلال
القنوات الرسمية, ثم تعقد الدولة التي تتلفي الطلب جلسة لسماع طلب
التسليم, وحجج بلجيكا في ذلك, علي أن يبت في الطلب في تلك الجلسة
اما رفضا وإما لسماح بتسليمه حسبما تري الدولة المطلوب منها ذلك.
في حالة موافقة السلطة القضائية علي تسليمه, يحال الطلب الي السلطة
التنفيذية للنظر في أمر التسليم وتقرير عما اذا كان قرار السلطة
القضائية بتسليمه قابلا للنفاذ من عدمه, وهذا هو ما كان عليه الحال
فيما يتعلق بطلب تسليم الجنرال أوجستو بينوشيه الرئيس السابق لدولة
شيلي حيث كانت المحكمة العليا الانجليزية
قد حكمت بجواز تسليمه الي أسبانيا, بيد أن السلطة التنفيذية ارتأت
تعذر ذلك لسوء حالته الصحية وإعادته الي بلاده.
أما فيما يتعلق بالتساؤل حول دور المحكمة الجنائية الدولية في مثل
تلك الحالات, فمن المقرر أن تدخل المحكمة الجنائية الدولية حيز
النفاذ لدي تصديق الدول الستين علي ميثاق روما. في الوقت الراهن,
وحتي كتابة هذه السطور, اصبح عدد الدول التي صدقت علي نظام روما
الأساسي سبعا وثلاثين دولة بعد أن قامت هولندا بالتصديق في السابع
عشر من يوليو2001, فضلا عن أن هناك أكثر من ثلاثين دولة بصدد اتخاذ
اجراءات التصديق. بيد انه لمن المؤسف ألا تكون هناك دولة عربية ـ
سوي مصر ـ تنظر لمسألة التصديق بعين الاعتبار مما يمثل فشلا جديدا في
اتخاذ موقف عربي موحد داخل هذا الكيان القضائي القادم بخطي سريعة,
الأمر الذي يفوت علي الأمة العربية فرصة الانضمام الي جمعية الدول
الأطراف والتي سوف تضم في عضويتها جميع الدول التي صدقت علي ميثاق
روما الأساسي, وخاصة الستين دولة التي سبقت في التصديق بالاضافة
الي تلك الدول التي سوف تصدق علي الميثاق خلال الفترة ما بين استكمال
الستين دولة وانعقاد جمعية الدول الأطراف هنا يتعين ادراك أهمية
الانضمام الي جمعية الدول الأطراف حيث سيكون من بين اختصاصاتها لدي
انعقادها لأول مرة اقرار قواعد الأدلة والاثبات, واختيار المدعي
العام وقضاة المحكمة والمسجل, وهي الأمور التي لا ينبغي علي الأمة
العربية ترك تحديدها للدول الأخري دونما اتخاذ موقف موحد يخدم
العدالة الجنائية والانسانية جمعاء.
أما فيما يتعلق باختصاص المحكمة الجنائية الدولية, فلقد حددته
المادة الخامسة من ميثاق روما الأساسي بأنه سوف يقتصر علي نظر جرائم
الابادة الجماعية والجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب التي ترتكب عقب
دخول المحكمة حيز النفاذ, ومن ثم فلن يكون للمحكمة اختصاص بنظر أي
من الجرائم التي ارتكبتها القوات الاسرائيلية في الأراضي المحتلة حتي
دخول المحكمة حيز النفاذ بيد أنه مع استمرار الاحتلال الغاشم للأراضي
الفلسطينية دون التوصل الي اتفاق سلام شامل فمن المتوقع أن تستمر
الانتهاكات, ومن ثم سوف يكون من الممكن المعاقبة ـ ولأول مرة ـ علي
الانتهاكات الإسرائيلية علي سند من المواد8,7,6 من الميثاق.
أما عن ميلوسيفيتش, فالوضع لا يختلف كثيرا عن شارون من حيث نوعية
الجرائم المنسوبة لكليهما, اذ أن المحكمة الجنائية الدولية
ليوجوسلافيا السابقة, والمنشأة بقرار من مجلس الأمن, كانت قد
أصدرت أمرا بضبطه علي سند من مسئوليته الجنائية عن الجرائم ضد
الانسانية وجرائم الحرب التي ارتكبت في كوسفو هنا, من الجدير
بالذكر ادراك أن هذه المحكمة تعتبر كيانا تابعا لمجلس الأمن, اذ
أنها ـ وكما سبق الاشارة ـ منشأة بقرار صادر عنه بماله من صلاحيات
بموجب الباب السابع من ميثاق هيئة الأمم المتحدة, ومن ثم تنفذ
قرارات المحكمة عن طريق مجلس الأمن الذي يملك سلطة توقيع عقوبات علي
الدول التي لا تلتزم بقرارات المحكمة, وهو الأمر الذي حدا بالحكومة
اليوغوسلافية اخيرا الي تسليم ميلوسيفيتش الي المحكمة.
أما عن التأصيل القانوني لما هو منسوب لكل من شارون وميلوسفيتش,
فكلاهما نسب اليه ارتكاب جرائم حرب مصدرها القانوني هو اتفاقيات جنيف
الأربع لعام1949, و ما يسمي بالعرف الدولي في النزاعات المسلحة,
وهي نفس مصادر القانون الواردة في المادتين3,2 من النظام الأساسي
للمحكمة الدولية ليوجوسلافيا السابقة, وبالتالي يسأل شارون
وميلوسيفيتش عن جرائم حرب وفقا للقانون الانساني الدولي مع اختلاف
الوقائع والنتائج أما عن الوقائع المتهم ميلوسيفيتش بارتكابها فهي
شبيه بما حدث في صابرا وشاتيلا اذا نسب إليه مسئوليته عن الاحداث
التي وقعت في كوسفو عام1999 من قتل المدنيين وطردهم من منازلهم
وتدميرها والسماح لقواته بالقيام بذلك دون اتخاذ أية اجراءات
للحيلولة دون ذلك أو معاقبة مرتكبيها للحيلولة دون ارتكابها في
المستقبل.
بيد أنه من المثير للدهشة أن قرار الاتهام لم يشمل الاحداث التي وقعت
في البوسنة وكرواتيا إبان الحرب التي شنتها صربيا ضدهما في الفترة ما
بين عامي1991 و1994, بالاضافة الي مجزرة سربيرنيتسا التي ارتكبت
عام1995, والتي راح ضحيتها سبعة آلاف أسير حرب مسلم بوسني أمر
جنرال صربي بقتلهم جميعا, اذ كان مجلس الأمن قد شكل بموجب القرار
رقم780 لعام1992 لجنة خبراء ـ شرفت برئاستها بصفتي مصريا ـ عنيت
بجمع الأدلة والتحقيق في تلك الجرائم واذ باشرت اللجنة مهمتها لمدة
عامين كاملين انتهت في تقريرها الختامي, والذي وصف بأنه الأطول في
تاريخ مجلس الأمن اذ بلغ عدد صفحانه ثلاثة آلاف وخمسمائة ورقة أرفق
بها خمسة وستون ألف مستند بالاضافة الي ثلاثمائة ساعة تصوير فيديو,
وثلاثة آلاف صورة فوتوغرافية, انتهت فيه الي استخدام القوات
الصربية سياسة التطهير العرقي والاغتصاب الجماعي والقسري في جميع
أنحاء البوسنة وكرواتيا خلال فترة زمنية تجاوزت العام ونصف العام في
كرواتيا بينما قاربت علي العامين ونص ف العام في البوسنة, وذلك
باتباع خطة وضعت سلفا طبقت من خلال سياسة واسعة النطاق وعلي أسس
منهجية في أكثر من ثلاثة آلاف مدينة وقرية ونجع.
علاوة علي ذلك, كانت القوات الصربية قد حاصرت مدينة سراييفو لأكثر
من ثلاث سنوات مع توجيه نيران مدفعيتها اليها مما أسفر عن مصرع ما
يزيد علي اثني عشر ألفا من المدنيين لا يقل عدد الأطفال فيهم عن
ألفين, كما قطعت عنها جميع المرافق العامة مثل المياه والكهرباء,
ومنعت وصول الامدادات الغذائية والمستلزمات الطبية اليها, فضلا عن
قصف الأماكن المحمية بالمخالفة للقانون الدولي مثل المستشفيات, مثل
مستشفي كوسي فو, الذي تعرض للقصف المدفعي289 مرة في خلال ثلاثة
أعوام كان أغلبها خلال الوقت المخصص لزيارة المدنيين للمستشفي,
وذلك بقصد منع وصول أية أغذية أو امدادات طبية للمستشفي, ومع ذلك
فلم يوجه الاتهام الي ميلوسيفيتش حتي الآن بارتكاب تلك الجرائم بصفته
الرئيس المسئول عنها!
نحن نعيش في عصر العولمة, فقد أصبح العالم مثل القرية الصغيرة
تقاربت أطرافه, كما ساعدت ثورة الاتصالات التكنولوجية علي سهولة
الاتصالات بين الأفراد وسرعة نقل المعلومات بين مشارق الأرض ومغاربها
في ثوان معدودات, وباتت الأسواق الاقتصادية العالمية واسواق المال
متصلة ببعضها فان هبط مؤشر احداها تأثرت اقتصاديات باقي دول
العالم, ومن ثم صارت حياة الشعوب كتابا مفتوحا يصعب اخفاء أية
انتهاكات ترتكب ضد احداها, وخاصة تلك المتعلقة بحقوق الانسان اذ إن
أنباء النزاعات المسلحة في جميع انحاء العالم عادة ما تحتل الصدارة
من حيث الأهمية لدي جميع وكالات الأنباء.
ان الانتهاكات التي تحدث في فلسطين والشيشان وليبيريا وغيرهم من بقاع
العالم لا تخفي علي العالم أجمع, بيد أنه لا يمكن القول بأن العالم
يتجرد من قيمة الانسانية أمام تلك الفظائع, بل علي النقيض, فان
وسائل الاعلام العالمية تنقل أنباءها لجميع بقاع العالم, ومن ثم
تساعد في تأصيل تلك القيم الانسانية عن طريق انفاذها اما بوسائل
اقليمية وأما دولية, وبالتالي فلا يعقل أن تتخلي شعوب العالم عن
المسئولية الانسانية لمعاقبة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد
الانسانية وابادة الجنس البشري, اذ انها أبشع الجرائم الدولية التي
ترتكب, وهو ما دفع العديد من الحكومات لأن تضيف الي قوانينها
الجنائية مبدأ الاختصاص العالمي
للسماح للأنظمة الجنائية الوطنية بمحاكمة مرتكبي تلك الجرائم.
أما علي الصعيد الدولي, فقد أنشأ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة
المحكمة الجنائية الدولية ليوجوسلافيا السابقةicty والمحكمة
الجنائية الدولية لرواندا
وأخيرا أسفرت الارادة الدولية عن انشاء المحكمة الجنائية الدولية
الدائمة
بيد أنه يتعين مراعاة أن القضاء الوطني هو صاحب الاختصاص الأصيل
دائما, اذ إن الانظمة الجنائية الوطنية تسمح دائما بمحاكمة من
يرتكب تلك الجرائم علي اقليمها أو ضد مواطنيها خارج اقليمها, بل
ويمتد اختصاصها ليسمح بمحاكمة مواطنيها اذا ما ارتكبوا أيا من تلك
الجرائم خارج اقليمها ـالمادة2 من قانون العقوبات المصري ـ ومن ثم
فان نظام العدالة الجنائية هو نظام متكامل يرتكز علي الاختصاص
الجنائي الوطني تكمله المحاكم الجنائية الدولية الخاصة مثل محكمتي
يوغوسلافيا ورواندا, أو مثل المحكمة الجنائية الدولية الدائمة حين
دخولها حيز النفاذ.
وختاما يقول الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم في الحديث الشريف من
رأي منكم منكرا فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فان لم
يستطع فبقلبه, وذلك أضعف الإيمان كما جاء بالانجيل من يرغب السلام
فيعمل للعدالة وأخيرا جاء بالتوراة ان العالم يرتكز علي ثلاثة
أركان, علي الحقيقة, علي العدالة, وعلي السلام, وإن الثلاثة
ما هم الا واحد لأن إن تحققت العدالة فتأرخت الحقيقة, والسلام ناتج
عنهم...,